ابن الجوزي

145

زاد المسير في علم التفسير

فقد أجاب عنه ابن الأنباري ، فقال : حروف المعجم التسعة والعشرون تجري مجرى الرسالة والخطبة ، فيستقبحون فيها اتفاق الألفاظ واستواء الأوزان ، كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم ، فيغيرون بعض الكلم ليختلف الوزن وتتغير المباني ، فيكون ذلك أعذب على الألسن وأحلى في الأسماع . قوله تعالى : * ( ذكر رحمة ربك ) * قال الزجاج : الذكر مرفوع بالمضمر ، المعنى : هذا الذي نتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده . قال الفراء : وفي الكلام تقديم وتأخير ; المعنى : ذكر ربك عبده بالرحمة ، و " زكريا " في موضع نصب . قوله تعالى : * ( إذ نادى ربه ) * النداء هاهنا بمعنى الدعاء . وفي علة إخفائه لذلك ثلاثة أقوال : أحدها : ليبعد عن الرياء ، قاله ابن جريج . والثاني : لئلا يقول الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد على الكبر ، قاله مقاتل . والثالث : لئلا يعاديه بنو عمه ، ويظنوا أنه كره أن يلوا مكانه بعده ، ذكره أبو سليمان الدمشقي . وهذه القصة تدل على أن المستحب إسرار الدعاء ، ومنه الحديث : " إنكم لا تدعون أصم " . قوله تعالى : * ( رب إني وهن العظم مني ) * وقرأ معاذ القارئ ، والضحاك : " وهن " بضم الهاء ، أي : ضعف . قال الفراء وغيره : وهن العظم ، ووهن ، بفتح الهاء وكسرها ; والمستقبل على الحالين كليهما : يهن . وأراد أن قوة عظامه قد ذهبت لكبره ; وإنما خص العظم ، لأنه الأصل في التركيب . وقال قتادة : شكا ذهاب أضراسه . قوله تعالى : * ( واشتعل الرأس شيبا ) * يعني : انتشر الشيب فيه ، كما ينتشر شعاع النار في الحطب وهذا من أحسن الاستعارات . * ( ولم أكن بدعائك ) * أي : بدعائي إياك * ( رب شقيا ) * أي : لم أكن لأتعب بالدعاء ثم أخيب ، لأنك قد عودتني الإجابة ; يقال : شقي فلان بكذا : إذا تعب بسببه ، ولم ينل مراده . قوله تعالى : * ( وإني خفت الموالي ) * يعني : الذين يلونه في النسب ، وهم بنو العم والعصبة * ( من ورائي ) * أي : من بعد موتي . وفي ما خافهم عليه قولان : أحدهما : أنه خاف أن يرثوه ، قاله ابن عباس . فإن اعترض عليه معترض ، فقال : كيف يجوز لنبي أن ينفس على قراباته بالحقوق المفروضة